لاجدال أن ثمة معركة مرتقبة وشيكة في محافظة إدلب ضد من يصر على البقاء في صفوف "هيئة تحرير الشام"، حيث تشير معظم التقارير والتحليلات إلى أن معركة إدلب ستكون كبيرة وعنيفة وطويلة، إلا أن ذلك لا يبدو صحيحا، فالمعركة المنتظرة لن تقع إلا  على أشلاء جبهة النصرة بعد اكتمال مسارات تفكيك "هيئة تحرير الشام"، والتي برزت بعد خسارة المعارضة السورية المسلحة مدينة حلب  في كانون أول/ ديسمبر 2016 عقب التفاهمات التركية الروسية التي أفضت إلى استعادة النظام وحلفائه لجيب المعارضة الرئيس في حلب، حين كانت فصائل المعارضة تجتمع لإعادة تعريف الثورة والجهاد والأمة والدولة.

 أسفرت صفقة حلب عن بروز ديناميكية جديدة بحلول كانون ثاني/يناير 2017 والذي يمثل لحظة تاريخية فارقة دشنت تخلي الدول الغربية والعربية ممن أطلقت على نفسها "مجموعة أصدقاء سورية" عن المعارضة السورية وتركتها لمواجهة مصيرها المحتوم بالتلاشي والفناء من خلال  اجتماعات أستانة  في عاصمة جمهورية كازاخستان برعاية روسية تركية إيرانية في 23 كانون ثاني/ يناير 2017 والتي طرحت مسألة تثبيت وقف إطلاق النار، وقد شهدت الجولة الرابعة من مفاوضات أستانة في أيار/مايو الماضي التأكيد على وقف إطلاق النار والاتفاق على إقامة أربع مناطق لخفض التصعيد، واتخاذ جميع التدابير اللازمة من طرف المشاركين لمواصلة القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام وغيرهما من الأفراد والمجموعات والمنظمات التابعة لهما في داخل مناطق خفض التصعيد.

لقد كانت اجتماعات أستانة تتدرج في تطويع المعارضة السورية المسلحة ممن توصف بالاعتدال لاستدخالها في دينامية تقود إلى القبول ببقاء الأسد وصولا إلى إدماجها في حرب ما يطلق عليه "الإرهاب"، وإذا كانت المعارضة المسلحة قد قبلت دون تردد في حرب تنظيم الدولة الإسلامية وتلكأت في حرب جبهة النصرة في البداية، فقد أصبحت ركنا أساسيا في قبول الانخراط في حرب النصرة وما نتج من سلالاتها كجبهة فتح الشام ثم هيئة تحرير الشام، وأصبح العنوان الرئيس لاجتماع "أستانة 6" المنعقد في 14 أيلول/ سبتمبر الماضي يدور حول سيناريوهات معركة إدلب وطرد هيئة تحرير الشام. 

أفضت مسارت خفض التصعيد على جبهات عديدة إلى خروجها عن خط مواجهة النظام، الأمر الذي مهد للتفرغ للتعامل مع تنظيم الدولة وجبهة النصرة، وإذا كانت المعركة مع تنظيم الدولة معقدة وذات طبيعة استراتيجية فإن المعركة مع جبهة النصرة تكتيكية، ذلك أن المكون الذي أطلق على نفسه جبهة النصرة كيان  براغماتي هجين وغير متجانس وهش، أضطر لإعلان الانضمام لتنظيم القاعدة بعد خلافه مع تنظيم الدولة بحثا عن شرعية جهادية، وسرعان ما فك علاقته بالقاعدة مع الإعلان عن جبهة فتح الشام عن طريق الخداع، ليصبح هيئة تحرير الشام وبانتظار أن يتحول إلى هيئة التحرير الشعبية. 

 تدرك الأطراف الراعية لمسار أستانة هشاشة هيئة تحرير الشام وطبيعتها البراغماتية ومنظوراتها التكيفية والخلافات العميقة بين مكوناتها، وقد كشفت خلافات الجهادية العالمية التي ظهرت داخل فروع تنظيم القاعدة في سورية بين تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة منذ منتصف 2013، عن صلابة المنظورات الاستراتيجية لتنظيم الدولة وسذاجة استراتيجية تنظيم القاعدة وقصور نهج تكيفاتها وبناء تحالفاتها، الأمر الذي شكل  فاتحة لصدام مسلح دشن مسارا من الحروب الومعارك الجهادية بين الفصائل لا تنتهي، وإذا كانت الخلافات الإيديولوجية والاستراتيجية بين أبرز ممثلي الجهادية العالمية التي جمعتهم القاعدة أدت إلى المفارقة والإلغاء والحرب، فإن مبررات الحرب مع الفصائل الأخرى أشد وأعظم، وإذا كانت المشتركات الإيديولوجية والاستراتيجية التي جمعت بين أحرار الشام وجبهة النصرة كبيرة، فإن المفترقات كانت أوسع وأكبر.

إن مسار تفكيك هيئة تحرير الشام بدأ عبر استراتيجية متدرجة وصبورة قادته دينامية أستانة من خلال تركيا التي تتوافر على معرفة دقيقة بمكونات جبهة النصرة وأجنحتها وحلفائها بحكم العلاقات مع كافة الفصائل الجهادية التي عملت ضمن جيش الفتح ومن ضمنه النصرة، إذ لم تكن وتيرة الصراع المتسارعة بين أحرار الشام وتحرير الشام التي تزامنت مع مؤتمر أستانة الأول في كانون ثاني/يناير الماضي،  سوى حلقة من الاختراق والاستدراج، فحين شنّت جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً)، هجوماً على مجموعة مدعومة من الغرب (جيش المجاهدين) شاركت في محادثات أستانة، خلقت تركيا دينامية للاستقطاب والفرز دفع فصائل جهادية عديدة إلى الانضمام لحركة أحرار الشام لحمايتها من النصرة في 26 كانون ثاني/ يناير 2017، وهي: جيش المجاهدين، والجبهة الشامية – قطاع حلب الغربي، وألوية صقور الشام، وجيش الإسلام – قطاع إدلب، وكتائب ثوار الشام، وتجمُّع "فاستقم كما أُمرت.

 عمليات الفرز الاستقطاب أفضت في 28 كانون ثاني/يناير 2017، أفضت إلى ولادة هيئة تحرير الشام باندماج جبهة فتح الشام مع أربع فصائل أخرى ضمن كيان الهيئة وهي: كتائب نور الدين الزنكي، وجبهة أنصار الدين، وجيش السنّة، ولواء الحق، وانضمّت مجموعات منشقّة عن أحرار الشام كمجموعة  "مجاهدو أشداء"، والذي كان يقودها "أبو العبد أشداء"، وانشقّ بعض مسؤولي أحرار الشام للانضمام إلى هيئة تحرير الشام الجديدة، ومن ضمنهم هاشم الشيخ وأبو صالح طحان وأبو محمد الصادق وأبو يوسف المهاجر، واستقطبت هيئة تحرير الشام عدة مشايخ سلفيين أمثال عبد الله المحيسني وعبدالرزاق المهدي.

 في هذا السياق تفككت جماعة "جند الأقصى"، حيث انضم بعض أعضائها إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" والتحق آخرون بـ "الحزب الإسلامي التركستاني" والذي كان يُعرف سابقاً باسم "حركة تركستان الشرقية الإسلامية" وكانت قد شكلت مع جماعات أخرى جماعة "أنصار الدين"، وهي جماعة تعتبر أحد أهم حلفاء "هيئة تحرير الشام"، وفي حزيران/ يونيو الماضي  شنت "هيئة تحرير الشام"،  هجوما على "حركة أحرار الشام" التي خرجت من معظم مناطقها دون قتال وباتت الهيئة تسبطر على المناطق الممتدة إلى الحدود التركية.

 على الرغم من الخلافات الدولية والإقليمية حول عدد من المسائل بخصوص الأزمة السورية، إلا أن بقاء نظام الأسد والحرب على تنظيمي الدولة الإسلامية القاعدة وحلفائهما تحت شعار "حرب الإرهاب" تشكل نقاط التوافق الأساس مع الاختلاف حول طبيعتة نهج بقاء الأسد وحرب الجهادية، وإذا كانت الحرب على تنظيم الدولة تستند إلى منطق الإبادة فإن الحرب على القاعدة تستند إلى منطق قطع الرؤوس تمهيدا لتفكيك المنظمة باستهداف الجناح الراديكالي وتحييد البراغماتي واستدخال التكيفاتي، فعندما تشكل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2014 للتصدي لتمدد تنظيم "الدولة الإسلامية"، بدأت استراتيجية الولايات المتحدة في التعامل مع النصرة شديدة الوضوح بتوظيفها للتصدي لتمدد تنظيم الدولة الإسلامية وخلق إيديولوجية تفضي إلى تفتيت الجهادية العالمية وتعمل كجدار إيديولوجي واق يحول دون توسع الجاذبية الإيديولوجية لتنظيم الدولة الإسلامية اللازمة للتجنيد والاستقطاب.

عملت أمريكا بداية على استهداف المجموعات والعناصر الجهادية المعولمة داخل النصرة التي ترتبط فعليا بالقاعدة، وهي المجموعة التي أطلقت عليها أمريكا جماعة "خراسان"، حيث باتت هدفا مفضلا لغارات التحالف الجوية، فقد استهدفت أولى الغارات في سوريا في 22 أيلول/ سبتمبر 2014 زعيم المجموعة محسن الفضلي ثم طالت معظم قادة المجموعة بدءا من عبد المحسن عبدالله إبراهيم الشارخ المعروف بـ"سنافي النصر" ومرورا بأبي فراس السوري وصولا إلى أبو الفرج المصري رفاعي طه وأبو الأفغان المصري، وصولا إلى أبو الخير المصري أحمد حسن أبو الخير الذي قتل في 26 شباط/ فبراير 2017.

 لا جدال بأن جبهة النصرة كما هو حال فروع القاعدة لا تملك خبرة في إدارة المناطق المحررة، فالسيطرة المكانية تخلق حالة من التسيّب الأمني، وتصبح عمليات القتل المستهدف أكثر سهولة، وعمليات الاختراق أشد فعالية، بحيث باتت إدلب التي تقع تحت سيطرة التنظيم نقمة عليه، فقد تم إغتيال مجموعة من القيادات في هذه المنطقة التي يفترض أن تكون آمنة، الأمر الذي يعيد سيناريو القاعدة في وزيرستان باكستان وحضرموت اليمن.

كان استهداف مجموعة خراسان أولى تكتيكات تفكيك النصرة، وقد كشفت تحولات النصرة عن عمق الخلافات بين تنظيم القاعدة المركزي والفرع السوري، ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يكون فك ارتباط النصرة بالقاعدة صوريا، إلا أن لعبة الجولاني البراغماتية أفضت إلى الانفصال الفعلي، رغم إصرار الولايات المتحدة على كون التحولات شكلية،  لكن الحقيقة أن جبهة فتح الشام ثم هيئة تحرير الشام لم تعد ترتبط بالقاعدة، بل إن الظواهري وصف الجولاني بذات الاوصاف التي كان العدناني يطلقها عليه باعتباره خائنا وغادرا ومخادعا، وقد ظهر ذلك جليا في خطاب الظواهري  في أيار/مايو 2017، وهو أكثر وضوحا في رسالته السرية المكتوبة اللاحقة، وكان الجناح الأكثر خبرة في تنظيم القاعدة قد حذر الجولاني من خطوة الإعلان عن فك الارتباط والركون إلى تصريحات الجولاني باعتبارها شكلية، وفي مقدمة هؤلاء سيف العدل وأبو القسام، وقدماء القاعدة في النصرة أمثال أبو جليبيب وبلال خريسات وسامي العريدي، فبحسب الأخيرين كان قرار فك الارتباط مناورة تقع في إطار الغدر والخيانة، الأمر الذي قادهم إلى الانفصال علناً عن الجولاني.

لم تكن براغماتية الجولاني بالتخلص من الجناح الجهادي المعولم تكتفي بالمراوغة، بل بممارسة الترهيب والتصفية إذا إقتضى الأمر، ففي نيسان/ إبريل 2017، صدر بيان عن أبو جليبيب يستنكر الاعتداء على أسرته من طرف جبهة الجولاني، الأمر الذي تكرر مع أبو وفا السعودي  وفي أيلول/ سبتمبر 2017، كما ستظهر تصفيات جسدية بطرائق عديدة.

لم تكن تحالفات النصرة السريعة عميقة وراسخة، وإنما سطحية هشة، فقد تسارعت وتيرة الانشقاقات عن الهيئة، حيث أعلنت "حركة نور الدين الزنكي" انفصالها عن "هيئة تحرير الشام" أواخر تموز/يوليو 2017،  عقب هجوم الهيئة على الأحرار، واتهم حسام الاطرش من حركة الزنكي والذي كان عضوا في شورى "هيئة تحرير الشام"، الجولاني بالمراوغة والكذب والنفاق، وقال أن الجولاني اقترح فتح علاقات مع إيران وقطع أي صلة بتركيا وقال الأطرش: "أميركم الجولاني طرح في مجلس شورى الهيئة، ولمرتين، فتح علاقات سياسية مع إيران وناقش مجلس الشورى بذلك. وكان بين الطرح والطرح، شهر. وألح بذلك، ‏وقال بالعبارة إن الاتراك جحاش بالسياسة، أما الإيرانيون فهم يفهمون بالسياسة ويقفون مع حلفائهم. وقال نقتصر مع تركيا على الحد الذي نستطيع به إدخال الجرحى".

بصرف النظر عن اتهامات الأطرش بخصوص إيران، فإن تركيا حاضرة في مسار تفتيت النصرة وتفكيك الهيئة، فقد تسارعت بالتزامن مع انعقاد أستانة 6، فقد عمدت تركيا إلى تفجير أزمة انشقاقات بعد تسريب محادثات صوتية بين القيادات العليا للنصرة توضح نهجها البراغماتي وطبيعة تحالفاتها الاستحواذية واستخدامها لديمومة هيمنتها وتحقيق مصالحها إلى حد استغفال الحلفاء والأنصار والاستخفاف والإذلال وصولا إلى طلب التصفية والقتل، ففي محادثة صوتية بين "أمير قطاع إدلب" المعروف بـ"مغيرة بن الوليد" أو "أبو حمزة بنش"، وشخص يدعى "نايف" من الراجح أنه الجولاني، طلب فيها "مغيرة" من "نايف" إذناً باعتقال الشرعي عبدالله المحيسني، وتحدث "مغيرة" في أحد التسريبات، عن عزمه اعتقال المحيسني "إن حاول زيارة مضافات شبابنا"، التي كانت تتجهز لقتال "أحرار الشام"، ليقول لهم: "لا تقاتلوا"، لكن الجولاني خشي من حدوث أزمة وطلب بترك الأمر له شخصيا.

لم تنقطغ وتيرة التسريبات المدروسة بدقة لزعزعة الثقة بنوايا الجولاني ومشايعيه في جبهة النصرة، ففي تسريب آخر، يُسمع حوار بين "قائد الجيش المركزي" في "الهيئة" المعروف بـ "أبو حسين الأردني" و"أمير قاطع إدلب" "أبو حمزة البنشي"، يتبنى فيه الطرفان العمل العسكري ضد "حركة أحرار الشام" وخطتهم باستهداف القادة والمقرات، حسب الصلاحيات المطلقة الممنوحة لهم من قبل "الجولاني"، كما كشف هذا التسريب رغبة "أمير قاطع إدلب" باعتقال مشايخ "الهيئة" والزجّ بهم في السجن، وذلك لمنعهم من العمل على إقامة أي "هيئة شرعية" لحل الخلاف مع "الحركة" من جهة، ولمنعهم من تحريض المقاتلين على عدم الدخول في أي معركة ضد "الحركة"، الأمر الذي إلى استقالة الشرعيان "الدكتور عبد الله المحيسني" و"الشيخ مصلح العلياني" من الهيئة.