تبدو المعركة في اليمن وقد اختزلت في شكل مواجهة تحتدم في أروقة الدورة السادسة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة حالياً في جنيف، في وقت يقع فيه التحالف -نتيجة دوره غير الواضح في اليمن- في فخ ينصبه المجتمع الدولي له وهذه المرة من الزاوية الحقوقية. 

ودعونا نؤكد هنا أن الحرب في اليمن هي الكارثة الحقيقة، وهي الانتهاك الأكبر لحقوق الإنسان، من أي طرف كان، ولكن لا يجب أن ننسى أن الطرف المتسبب في إشعال هذه الحرب هم الحوثيون وشريكهم المخلوع صالح، وقد بدأوا حربهم على اليمنيين، في مستهل العام 2014.

وفي هذا العام أي في 21 أيلول/ سبتمبر نفذوا انقلابهم العسكري على النظام الانتقالي بقيادة الرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي، بعد أن كان اليمنيون قد وصلوا إلى نتائج مبهرة لمؤتمر الحوار الوطني الشامل.

لكن هذه الحرب أخذت بعدها الدولي منذ أن قرر التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية التدخل إلى صف حكومة الرئيس هادي، وهو التدخل الذي وقع فجر السادس والعشرين من شهر آذار/ مارس 2015.

العالم لا ينظر إلى ما يفعله الحوثيون وما يرتكبونه من انتهاكات، وجزء من هذا التعامي يعود إلى أن الغرب ليست لديه حساسية تجاه هؤلاء الحوثيين، بل أنه بارك تحركاتهم العسكرية أملاً في الاستفادة من صراع التناقضات المذهبية الذي قد يشدد الخناق على ما يزعمون أنه التطرف السني المولد للظاهرة الإرهابية.

مجلس حقوق الإنسان في أحدث تقرير قدمه رئيسه الأمير زيد رعد الحسين، اتهم التحالف بالمسؤولية عن النسبة الأكبر من ضحايا الحرب المدنيين في اليمن والذين تجاوزوا عتبة الخمسة آلاف قتيل حتى الآن.

هو موقف يتصاعد ضد التحالف، ويضعه في مأزق حقيقي، خصوصاً وأن هولندا التي شكلت رأس الحربة في المطالبة بتشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، قد انضمت إليها كندا بما تمثله هذه الدولة من وزن كبير في المجتمع الدولي ومصداقية على صعيد التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان.

دفع التحالف بالحكومة اليمنية إلى إيفاد وزير حقوق الإنسان محمد عسكر، إلى العاصمة الهولندية للقاء وزير الخارجية في مسعى لإقناعه بتخلي هولندا عن مطلب تشكيل لجنة التحقيق الدولية التي كانت مثار جدل طيلة الدورات السابقة لمجلس حقوق الإنسان.

لم تتوفر معلومات عن النتائج التي أفضت إليها زيارة وزير حقوق الإنسان اليمني، لكن من الواضح أن الوزير لا يمتلك أية ورقة يمكن أن يضغط بها على الجانب الهولندي سوى الرواية الرسمية لمصدر الانتهاكات وسببها، وهي الرواية التي سمعتها هولندا من قبل وليست مستعدة لأن تتخلى لأجلها عن مطلبها بتشكيل لجنة التحقيق الدولية المستقلة، ما لم تتلق ضغوطاً تُمليها اعتبارات المصالح الاقتصادية. 

في الحقيقة ما كان يجب على التحالف العربي أن يقلق من تشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان، إذا كان بالفعل يحارب باحترافية ويراعي قواعد الاشتباك، ويمتلك آلية فعالة للتعامل مع الأخطاء.

فالانتهاكات غير المنضبطة والأكثر إيذاء هي تلك التي تقوم بها الميلشيا الانقلابية، في حربها الموجهة خصيصاً لإيذاء المدنيين، ويمكن لهذه اللجنة أن تتحول إلى نقطة قوة بيد الحكومة الشرعية والتحالف، ولكن أيضاً ضحايا أخطاء التحالف كارثية ولا يمكن التغاضي عنها.


لا يمكن للتحالف أن يحسم الأمر بمجرد الاستمرار في رفض مطالب تشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، والتمسك باللجنة الوطنية للتحقيق في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان، التي تشكلت قبل عامين بقرار من الرئيس هادي.

لا أستطيع كمراقب إلا أن أشكك في الدوافع الأخلاقية للمطالبة بتشكيل لجنة التحقيق الدولية المستقلة، بكونها مصممة على ما يبدو لإدانة التحالف ومحاصرة دوره، وإقصاء اللجنة الوطنية، ولكن هل التحالف العربي أو ما بقي منه نزيه إلى هذا الحد؟

بالطبع لا، فالإمارات وهي الشريك الأهم في هذا التحالف، أنشأت أكبر شبكة سجون سرية للإخفاء والتعذيب المميت في المناطق التي تسميها محررة، وتحاصر مجتمعاً بكامله بأيديولوجيتها وحساباتها الموتورة، وتستمر في إجهاض مهمة تحرير تعز لتبقى هذه المحافظة أحد الأمثلة التي يمكن استدعاؤها للبرهنة على أن ثمة طرفاً أكثر بشاعة يقتل في اليمن بدون قيود.

لذا دعونا نتفق على أن التحالف هو الذي نسج كل هذه الخيوط حول مهمته في اليمن، والتي تعيق اليوم استمراره بذلك القدر من الأريحية في التعامل مع الملف اليمني بأبعاده العسكرية والأمنية والسياسية والحقوقية.

لقد تخلى التحالف على ما يبدو عن مهمة الحسم العسكري، وهذا يعني أنه لا يمكن أن يستمر في إبقاء اليمن رهينة حالة اللاحرب واللاسلم، فيما يدفع اليمنيون ثمناً باهظاً لبقاء الأسباب القوية للعنف والاحترام على حالها.

فالانقلابيون يكادون أن يقتربوا من احتلال وضع الشريك السياسي للتحالف، على الرغم من التكتيكات التي قد تشير إلى عدم توفر الشرط الموضوعي لتحقق هذه الشراكة.

وفي الآن ذاته يستمر التحالف في نسف الثقة بينه وبين القوى المؤيدة لمهمته العسكرية في اليمن، والتي باتت تترقب مصيراً سيئاً، وهي ترى مظاهر الغدر والخيانة تتجلى في شكل ممارسات ميدانية تضرب بعمق في مفاصل هذه القوى وتقوض نفوذها وتثبتها كعدو سياسي وأيديولوجي لا يمكن المهادنة معه أبداً.